|
أهل الدّيوان
التّعريف :
1 - الدّيوان : لفظ فارسيّ معرّب معناه : مجتمع الصّحف والكتاب ، يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطيّة . والدّيوان : جريدة الحساب ثمّ أطلق على الحساب . ثمّ أطلق على موضع الحساب . ويسمّى مجموع شعر الشّاعر ديواناً ، قال صاحب التّاج : فمعانيه خمسة : الكتبة ، ومحلّهم ، والدّفتر ، وكلّ كتابٍ ، ومجموع الشّعر .
والدّيوان عند الفقهاء : هو الدّفتر الّذي يثبت فيه أسماء العاملين في الدّولة ولهم رزق أو عطاء في بيت المال ، ويراد به أيضاً المكان الّذي فيه الدّفتر المذكور وكتابه .
وأهل الدّيوان : هم هؤلاء الّذين يأخذون رزقاً منه . ووظيفة الدّيوان : حفظ ما يتعلّق بحقوق الدّولة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمّال .
أوّل من وضع الدّيوان ، وسبب وضعه :
2 - أوّل من وضع الدّيوان في الدّولة الإسلاميّة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، وذلك لمّا قدم عليه أبو هريرة رضي الله عنه بمالٍ من البحرين ، فقال له عمر : ماذا جئت به ؟ فقال : خمسمائة ألف درهمٍ . فاستكثره عمر ، فقال : أتدري ما تقول ؟ قال : نعم ، مائة ألفٍ خمس مرّاتٍ ، فقال عمر : أطيّب هو ؟ فقال : لا أدري ، فصعد عمر المنبر ، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها النّاس قد جاءنا مال كثير ، فإن شئتم كلنا لكم كيلاً ، وإن شئتم عددنا لكم عدّاً ، فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدوّنون ديواناً لهم ، فدوّن أنت لهم ديواناً . وقال آخرون : بل سبب وضعه أنّ عمر بعث بعثاً ، وكان عنده الهرمزان ، فقال لعمر : هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال فإن تخلّف منهم رجل وآجل بمكانه ، فمن أين يعلم صاحبك به ، فأثبت لهم ديواناً ، فسأله عن الدّيوان حتّى فسّره له .
أصناف أهل الدّيوان :
3 - سبق أنّ أهل الدّيوان هم من يرزقون منه ، وهم . عدّة أصنافٍ منهم :
أ - أفراد الجيش : لا بدّ لإثباتهم في الدّيوان من شروطٍ أوردها الماورديّ وهي :
- 1 - البلوغ : فإنّ الصّبيّ من جملة الذّراريّ والأتباع ، فكان عطاؤه جارياً في عطاء الذّراريّ .
- 2 - الحرّيّة : لأنّ المملوك تابع لسيّده ، فكان داخلاً في عطائه ، وخالف في هذا الشّرط أبو حنيفة ، وهو رأي أبي بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه .
- 3 - الإسلام : ليدفع عن الملّة باعتقاده ويوثق بنصحه واجتهاده .
- 4 - السّلامة من الآفات المانعة من القتال .
- 5 - أن يكون فيه إقدام على الحرب ومعرفة بالقتال .
- 6 - أن يتجرّد عن كلّ عملٍ . ولا يخفى أنّ هذه الشّروط تنظيميّة قابلة للنّظر فيها بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة بما يحقّق المصلحة .
ب - ذوو الولايات ، كالولاة والقضاء والعلماء والسّعاة على المال جمعاً وحفظاً وقسمةً ونحو ذلك ، وأئمّة الصّلاة والمؤذّنين .
ج - ذوو الحاجات ، لأثر عمر رضي الله عنه ، ليس أحد أحقّ بهذا المال من أحدٍ ، إنّما هو الرّجل وسابقته ، والرّجل وغناؤه ، والرّجل وبلاؤه ، والرّجل وحاجته .
القول الضّابط في المصارف :
4 - قال إمام الحرمين : من يرعاه الإمام بما في يده من المال ثلاثة أصنافٍ :
- 1 - صنف منهم محتاجون ، والإمام يبغي سدّ حاجاتهم ، وهؤلاء معظم مستحقّي الزّكوات ، الّذين ورد ذكرهم في الآية { إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين ... } .
- 2 - أقوام يبغي الإمام كفايتهم ، ويدرأ عنهم بالمال الموظّف لهم حاجتهم ، ويتركهم مكفيّين ليكونوا متجرّدين لما هم بصدده من مهمّ الإسلام ، وهؤلاء صنفان :
أ - المرتزقة : وهم نجدة المسلمين وعدّتهم ووزرهم وشوكتهم ، فينبغي أن يصرف إليهم ما يرمّ خلّتهم ويسدّ حاجتهم .
ب - الّذين انتصبوا لإقامة أركان الدّين ، وانقطعوا بسبب اشتغالهم واستقلالهم بها عن التّوصّل إلى ما يقيم أودهم ويسدّ خلّتهم ، ولولا قيامهم بما لابسوه لتعطّلت أركان الإيمان ، فعلى الإمام أن يكفيهم مؤنتهم ، حتّى يسترسلوا فيما تصدّوا له ، وهؤلاء هم القضاة والحكّام والقسّام والمفتون والمتفقّهون ، وكلّ من يقوم بقاعدةٍ من قواعد الدّين يلهيه قيامه عمّا فيه سداده وقوامه .
- 3 - قوم يصرف إليهم طائفة من مال بيت المال على غناهم واستظهارهم ، ولا يتوقّف استحقاقهم على سدّ حاجةٍ ، وهم بنو هاشمٍ وبنو المطّلب ، المسمّون في كتاب اللّه : ( ذوي القربى ) .
التّفاضل في العطاء بين أهل الدّيوان :
5 - اختلف الصّحابة رضي الله عنهم في عطاء أهل الدّيوان :
فقد كان أبو بكرٍ الصّدّيق وعليّ رضي الله عنهما يريان التّسوية بين أهل الدّيوان في العطاء ، ولا يريان التّفضيل بالسّابقة ، وإلى هذا ذهب الشّافعيّ ومالك .
أمّا عمر بن الخطّاب وعثمان رضي الله عنهما فقد كانا يريان التّفضيل بالسّابقة في الإسلام ، وزاد عمر التّفضيل بالقرابة من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع السّابقة في الإسلام . وأخذ بقولهما من الفقهاء أبو حنيفة وأحمد وفقهاء العراق .
وقد ناظر عمر أبا بكرٍ حين سوّى بين النّاس فقال : " أتسوّي بين من هاجر الهجرتين وصلّى إلى القبلتين ، ومن أسلم عام الفتح خوف السّيف ؟ فقال له أبو بكرٍ : إنّما عملوا للّه وأجورهم على اللّه ، وإنّما الدّنيا دار بلاغٍ ، فقال عمر : لا أجعل من قاتل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه . "
علاقة أهل الدّيوان بالعاقلة :
6 - الأصل في العاقلة هم : من ينتصر بهم القاتل من قرابةٍ وعشيرةٍ ، وعلى هذا جرى الأمر في صدر الإسلام ، ثمّ مع كثرة الموالي وضعف الاهتمام بالانتساب للقبائل ، اعتبر بعض الفقهاء من العاقلة : ( الدّيوان ) وأهل الحرفة ، وأهل السّوق ، وغيرهما ممّا يتناصر به . ولا خلاف أنّ النّساء والذّرّيّة - ممّن له حظّ في الدّيوان - وكذا المجنون لا شيء عليهم من الدّية . واختلف الفقهاء هل على أهل الدّيوان دية أم لا ؟ .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الدّية على أهل الدّيوان ، وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا مدخل لأهل الدّيوان في المعاقلة . وينظر التّفصيل والخلاف في مصطلح ( عاقلةٍ ) .
|